السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

527

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بيان : قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ إلى آخر الآية ؛ البيت معروف ؛ والمراد بوضع البيت للناس وضعه لعبادتهم وهو أن يجعلوه ذريعة يتوسل به إلى عبادة اللّه سبحانه ، ويستعان به فيها بأن يعبد اللّه فيه ، وبقصده والمسير اليه وغير ذلك ؛ والدليل على ذلك ما يشتمل عليه الكلام من كونه مباركا وهدى للعالمين وغير ذلك ، ويشعر به التعبير عن الكعبة بالذي ببكة فإن فيه تلويحا إلى ازدحام الناس عنده في الطواف والصلاة وغيرهما من العبادات والمناسك ، وأما كونه أول بيت بني على الأرض ووضع لتنتفع به الناس فلا دلالة على ذلك من جهة اللفظ . والمراد ببكة أرض البيت سميت بكة لازدحام الناس فيها ، وربما قيل إن بكة هي مكة ، وإنه من تبديل الميم باء كما في قولهم : لازم ولازب وراتم وراتب ونحو ذلك ، وقيل : هو اسم للحرم ، وقيل : المسجد ، وقيل : المطاف . والمباركة مفاعلة من البركة وهي الخير الكثير ، فالمباركة إفاضة الخير الكثير عليه وجعله فيه ، وهي وإن كانت تشمل البركات الدنيوية والأخروية ، إلّا أن ظاهر مقابلتها مع قوله : هُدىً لِلْعالَمِينَ أن المراد بها إفاضة البركات الدنيوية وعمدتها وفور الأرزاق وتوفر الهمم والدواعي إلى عمرانه بالحج اليه والحضور عنده والاحترام له وإكرامه فيؤول المعنى إلى ما يتضمنه قوله تعالى في دعوة إبراهيم : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( إبراهيم / 37 ) . وكونه هدى هو إراءته للناس سعادة آخرتهم ، وإيصاله إياهم إلى الكرامة والقرب والزلفى بما وضعه اللّه للعبادة ، وبما شرّع عنده من أقسام الطاعات والنسك ، ولم يزل منذ بناه إبراهيم